الآلوسي
4
روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني ( تفسير الآلوسي ) ( دار الكتب العلمية )
وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ عطف على ما قبله من المحرمات . والمراد بهن على المشهور ذوات الأزواج ، أحصنهن التزوج أو الأزواج الأولياء أي منعهن عن الوقوع في الإثم ، وأجمع القراء كما قال أبو عبيدة : على فتح الصاد هنا ؛ ورواية الفتح عن الكسائي لا تصح ، والمشهور رواية ذلك عن طلحة بن مصرف ويحيى بن وثاب ، وعليه يكون اسم فاعل لأنهن أحصن فروجهن عن غير أزواجهن ، أو أحصن أزواجهن ، وقيل : الصيغة للفاعل على القراءة الأولى أيضا ، فقد قال ابن الأعرابي : كل أفعل اسم فاعله بالكسر إلا ثلاثة أحرف أحصن ، وألفج إذا ذهب ماله ، وأسهب إذا كثر كلامه . وحكي عن الأزهري مثله ، وقال ثعلب : كل امرأة عفيفة محصنة ومحصنة . وكل امرأة متزوجة محصنة بالفتح لا غير ، ويقال : حصنت المرأة بالضم حصنا أي عفت فهي حاصن وحصنان بالفتح وحصناء أيضا بينة الحصانة ، وفرس حصان بالكسر بيّن التحصين والتحصن ، ويقال : إنه سمي حصانا ، لأنه ضن بمائه فلم ينز إلا على كريمة ، ثم كثر ذلك حتى سموا كل ذكر من الخيل حصانا ، والإحصان في المرأة ورد في اللغة ، واستعمل في القرآن بأربعة معان : الإسلام . والحرية ، والتزوج ، والعفة ، وزاد الرافعي العقل لمنعه من الفواحش . والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع حالا من المحصنات أي حرمت عليكم المحصنات كائنات من النساء ، وفائدته تأكيد عمومها ، وقيل : دفع توهم شمولها للرجال بناء على كونها صفة للأنفس وهي شاملة للذكور والإناث - وليس بشيء - كما لا يخفى ، وفي المراد بالآية غموض حتى قال مجاهد : لو كنت أعلم من يفسرها لي لضربت إليه أكباد الإبل ؛ أخرجه عنه ابن جرير ، وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي السوداء قال : سألت عكرمة عن هذه الآية وَالْمُحْصَناتُ إلخ فقال : لا أدري ، وللعلماء المتقدمين فيها أقوال : أحدها أن المراد بها المزوجات كما قدمنا . والمراد بالملك الملك بالسبي خاصة فإنه المقتضي لفسخ النكاح وحلها للسابي دون غيره ، وهو قول عمر وعثمان وجمهور الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة لكن وقع الخلاف هل مجرد السبي محل لذلك أو سبيها وحدها ؟ فعند الشافعي رحمه اللّه تعالى مجرد السبي موجب للفرقة ومحل للنكاح ، وعند أبي حنيفة رضي اللّه تعالى عنه سبيها وحدها حتى لو سبيت معه لم تحل للسابي ، واحتج أهل هذا القول بما أخرجه مسلم عن أبي سعيد رضي اللّه تعالى عنه أنه قال : أصبنا سبيا يوم أوطاس ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن فسألنا النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت الآية فاستحللناهن ، وهذه الرواية عنه أصح من الرواية الأخرى أنها نزلت في المهاجرات ، واعترض بأن هذا من قصر العام على سببه وهو